الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

94

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

جسد ظاهر ونفس باطنة ، وبقدرته تعالى جعل الجسد الكثيف لا يقوم إلا باللطيف وهي النفس ، وأن النفس اللطيفة لا تظهر آثارها إلا من خلال الكثيف ، ولما جاء التشريع السماوي وضع لكل جانب من جانبي الإنسان أحكاماً خاصة تتناسب مع طبيعة خلقته ، ليقوم الناس بالقسط . ولتوضيح نوعي الأحكام التي خوطب بها الإنسان المكلف ، لنأخذ على سبيل المثال عمود الدين في العبادات كلها وهي الصلاة ، فلقد نص الحق تعالى على قسمين من الأحكام تتعلق بالمصلي وهي : القسم الأول : ما يتعلق بظاهر المصلي ، كما في أحكام الطهارة وأحكام الأركان وهيئات الحركات والأقوال فيها ، وكذلك الأمور التي تتعلق بنواقضها . القسم الثاني : ما يتعلق بباطن المصلي كالأمر بصدق النية وطهارة القلب وحضوره مع الحق تعالى ، فليس لابن آدم من صلاته إلا ما عقل منها . إننا إذا نظرنا إلى أحكام القسم الأول نجدها تتناسب وطبيعة البدن الكثيف ، في حين تتناسب أحكام القسم الثاني مع طبيعة النفس اللطيفة . فالصحابة ( رضي الله تعالى عنهم ) كانوا يسيرون على نهج الاستقامة ، ولكن هذا المنهج المستقيم في تطبيق أوامر الشريعة الإسلامية لم يشتهر بمصطلح ( الطريقة ) في الصدر الأول من الإسلام ولا بغيره من التسميات ، ولم يشتهر وقتها أي من العلوم الإسلامية الأخرى بأسمائها التي عرفت فيما بعد كالفقه وعلم الحديث أو علم أصول الدين أو غيرها . إذ أن السائد آنذاك هو مفهوم العبادة والطاعة لله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم . يقول المؤرخ ابن خلدون في مقدمته : « طريق هؤلاء القوم ، لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية ، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى ، والإعراض عن زخارف الدنيا وزينتها ، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه ، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة ، وكان ذلك عاماً في الصحابة » .